الثعلبي

83

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

العظام ، والمراد بها نفسه كلّها لأن العظام قالب الخلق ولن يستوي الخلق إلّا باستوائها ، وقيل : هو خارج على قول المنكر أو يجمع الله العظام كقول الآخر : قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ « 1 » . ثم قال سبحانه : بَلى قادِرِينَ أي نقدر استقبال صرف إلى الحال ، قال الفراء : قادِرِينَ نصب على الخروج من نَجْمَعَ كأنك قلت في الكلام : أيحسب أن لن يقوى عليك ، بَلى قادِرِينَ على أقوى منك ، يريد بلى نقوى مقتدرين على أكثر من ذا « 2 » ، وقرأ ابن أبي غيلة قادرون بالرفع ، أي بلى نحن قادرون ، ومجاز الآية : بلى نقدر على جمع عظامه وعلى ما هو أعظم من ذلك ، وهو : عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ أنامله فيجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحد كخف البعير ، أو كظلف الخنزير ، أو كحافر الحمار ، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئا ولكنا فرقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء ، ويقبض إذا شاء ويبسط إذا شاء فحسّنا خلقه . هذا قول عامة المفسرين . وقال القبيسي : ظن الكافر أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام البالية ، فقال الله سبحانه : بَلى قادِرِينَ أن نعيد السلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى نسوي البنان ، ومن يقدر على هذا فهو على جمع كبار العظام أقدر ! وهذا كرجل قلت له : أتراك تقدر على أن تؤلف من هذا الحنظل في خيط ويقول نعم وبين الخردل . بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ يقول تعالى ذكره : ما يجهل ابن آدم أن ربّه قادر على جمع عظامه بعد الموت ، ولكنّه يريد أن يفجر أمامه ، أي يمضي قدما في معاصي الله راكبا رأسه لا ينزع عنها ولا يتوب ، هذا قول مجاهد والحسن وعكرمة والسدي ، وقال سعيد بن جبير : يقدم الذنب ويؤخر التوبة ، يقول : سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله ، وقال الضحاك : هو الأمل يأمل الإنسان يقول : أعيش وأصيب من الدنيا كذا وكذا ولا يذكر الموت ، وقال ابن عباس وابن زيد : يكذّب بما أمامه من البعث والحساب ، وقال ابن كيسان : يريد أن تأتيه الآخرة التي هي أمامه فيراها في دار الدنيا . وأصل الفجور : الميل ، ومنه قيل للكافر والفاسق والكافر : فاجر ، لميلهم عن الحق ، وقال السدي أيضا : يعني ليظلم على قدر طاقته ، وقيل : يركب رأسه في هواه ويهتم حيث قادته نفسه . يَسْئَلُ أَيَّانَ متى يَوْمُ الْقِيامَةِ فبيّن الله له ذلك فقال عزّ من قال : فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ قرأ أبو جعفر ونافع وابن أبي إسحاق : بَرَقَ بفتح الراء وغيرهم بالكسر .

--> ( 1 ) سورة يس : 78 . ( 2 ) تفسير الطبري : 29 / 219 .